أحمد بن محمد البسيلي التونسي

21

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

المبحث الأول : عوامل النهضة العلمية في عهد الحفصيين أ - رعاية خلفاء بني حفص للحركة العلمية : يبتدئ العصر الحفصي بإمارة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي - صاحب الإمام المهدي - على البلاد التونسية ، عام 603 ه - ، وينتهي بعد ذلك سنة 981 ه - ، وقد تقلبت السلطنة في هذا المجال الزمني بين دَعَةٍ وأمن ، واختلالٍ وفسادِ حال ؛ وليس وكْدُنا تقرير ما أطنب المؤرخون فيه ؛ وإنما القصد أن نبرز بعض ما أحاط به ملوك بني حفص العلم من عناية ورعاية . شهد هذا العصر احتفالا بالعلم وأهله ، واستطاع النشاط العلمي أن يغدوَ ميْسما لازباً لتونس ، تُذكر فيُذكر ، ويُعرف فلا يُنكر ، حتى إن الرحالةَ العبْدري ، وهو النَّقادة الذي " ما رأيناه مَدح بلدةً ولا سكانهَا إلا مدينة تونس " - حسبما أفاد ابن عبد السلام الناصري في الرحلة الحجازية - يعطف على هذه البلدة سنة 688 ه - ، فيُلْفى فيها أخْدَانه سَدَنَةَ العلم وأضرابَه في الطلب ، ويُسَرِّح طرْفه وفكره فيما تلذّه الأنفس وتقرّ الأعين من الأنظار العقلية والأبحاث العلمية الجارية بين علماء الحضرة ، فلا تمنعه محاققتُه الفذّةُ من أن يقول عن تونس : إنه " لا تنْشُدُ بها ضالةً من العلم إلا وجدتها ولا تلتمسُ فيها بغيةً معْوِزة إلا استفدتَها ؛ أهلُها ما بين عالم كالعَلَم رافع بين أهله للعِلم ، ومعطِّل حدَّ الظُبى بالقلم " . بل إن العبدري يُثبت أنه قد أقفر ما بين المغرب وتونس من العلم ، ولم يجد له رسما إلا عندما دخلها ، وذلك حَادِيهِ للقول : " ولولا أني دخلتُها لحكمت بأنَّ العلم في أفق